كورة لايف koora live لم يعد صعود كرة القدم المغربية في السنوات الأخيرة مرتبطاً بلاعب أو جيل واحد.

فخلف المنتخب المغربي الذي وصل إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، وارتقى إلى المركز السادس عالمياً، توجد منظومة كاملة تضم الأندية المحلية، ومراكز التكوين، والأكاديميات، والاحتراف الخارجي، والمنتخبات السنية.

هذه المنظومة جعلت المغرب يتحول تدريجياً إلى أحد أبرز مصادر المواهب في القارة الإفريقية، وأصبح اللاعب المغربي حاضراً في الدوري الإسباني والفرنسي والإنجليزي والإيطالي وغيرها من البطولات الأوروبية.

لكن كيف حدث هذا التحول؟ وما الدور الذي يلعبه الدوري المغربي في صناعة هذه المواهب؟

البداية من التكوين

أهم عنصر في أي مشروع كروي ناجح هو التكوين.

فاللاعب لا يظهر فجأة في الفريق الأول، وإنما يمر بمراحل طويلة من التدريب والتطوير.

وخلال السنوات الأخيرة، تطورت نظرة المغرب إلى تكوين اللاعبين، وأصبحت الأكاديميات ومراكز التكوين جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الكروية.

ويظهر ذلك بوضوح في حضور لاعبين مغاربة صغار السن في البطولات الأوروبية، وفي قدرة المنتخبات المغربية على الاستفادة من مواهب نشأت في بيئات كروية مختلفة.

هذا التنوع أصبح نقطة قوة، لأن اللاعب المغربي يمكن أن يبدأ تكوينه في المغرب، ثم ينتقل إلى أوروبا في سن مبكرة، أو العكس، بينما يظل متاحاً للمنتخب الوطني وفق القواعد الدولية.

الدوري المغربي.. محطة أساسية

رغم أن عدداً كبيراً من نجوم المنتخب المغربي يلعبون في أوروبا، فإن الدوري المحلي يظل جزءاً مهماً من منظومة التطوير.

فالأندية المغربية تمنح اللاعبين الشباب فرصة الظهور في المنافسات الرسمية، وتوفر لهم الاحتكاك بالمستوى العالي قبل الانتقال إلى البطولات الأوروبية.

وموسم 2025-2026 قدم مثالاً واضحاً على ذلك، عندما توج المغرب الفاسي بلقب البطولة الاحترافية للمرة الخامسة في تاريخه، بعد موسم جمع خلاله 59 نقطة.

كما أن المنافسة القوية بين الأندية المغربية تجعل اللاعب الشاب أمام اختبارات مختلفة، سواء في مباريات القمة أو المنافسات الإفريقية أو مباريات الضغط الجماهيري.

نجاح الأندية يرفع قيمة اللاعب المغربي

عندما يحقق النادي المغربي نتائج جيدة محلياً وقارياً، فإن ذلك يرفع قيمة اللاعبين الموجودين في البطولة.

ولهذا فإن تطور الأندية ليس منفصلاً عن تطور المنتخب.

فالأندية التي تمتلك إدارة جيدة، وأكاديميات قوية، وأجهزة فنية متخصصة، تستطيع تطوير اللاعبين ثم تسويقهم إلى الخارج.

والهدف في النهاية ليس بيع اللاعب فقط، وإنما إنتاج لاعب قادر على النجاح في أوروبا.

وهذا ما يجعل سوق الانتقالات جزءاً من الاقتصاد الرياضي المغربي.

أوروبا تفتح الباب أمام التطور

وجود اللاعب المغربي في أوروبا أصبح ظاهرة واضحة.

وفي الدوري الإسباني وحده، أظهرت بيانات موسم 2025-2026 وجود 14 لاعباً مغربياً، من بينهم أسماء مثل إبراهيم دياز، عبد الصمد الزلزولي، عز الدين أوناحي، إلياس شعيرة، عمر الهلالي ومروان سنادي.

الأمر لا يتعلق بالعدد فقط.

إبراهيم دياز مثلاً يلعب مع ريال مدريد، بينما قدم الزلزولي موسماً هجومياً مميزاً مع ريال بيتيس، وسجل 10 أهداف وصنع 8 تمريرات حاسمة في الليغا خلال موسم 2025-2026.

كما سجل إلياس شعيرة ستة أهداف مع ريال أوفييدو في الموسم نفسه، بينما سجل أوناحي خمسة أهداف مع جيرونا.

هذه الأرقام تعني أن اللاعب المغربي لم يعد موجوداً في أوروبا لمجرد المشاركة، بل أصبح قادراً على صناعة الفارق.

المنتخب المغربي هو المستفيد الأكبر

في النهاية، كل هذه المنظومة تخدم هدفاً واحداً: المنتخب الوطني.

عندما يمتلك المدرب مجموعة من اللاعبين المحترفين في دوريات قوية، يصبح لديه هامش أكبر للاختيار.

والمنتخب المغربي استفاد بالفعل من هذا التطور، وهو ما ظهر في كأس العالم 2026.

فالمغرب تأهل إلى دور الـ32، ثم تجاوز هولندا بركلات الترجيح، وفاز على كندا بثلاثة أهداف دون مقابل في ثمن النهائي، قبل أن يخرج أمام فرنسا في ربع النهائي بنتيجة 2-0.

وبعد البطولة، ارتقى المنتخب إلى المركز السادس عالمياً، ليصبح أول منتخب إفريقي وعربي في هذا المركز وفق التصنيف الصادر في يوليوز 2026.

لماذا أصبح اللاعب المغربي مطلوباً في أوروبا؟

هناك مجموعة من الصفات التي تجعل اللاعب المغربي جذاباً للأندية الأوروبية.

أولاً، المرونة التكتيكية. كثير من اللاعبين المغاربة يستطيعون اللعب في أكثر من مركز.

ثانياً، المهارة الفردية. اللاعب المغربي يتمتع غالباً بقدرة جيدة على المراوغة والاحتفاظ بالكرة.

ثالثاً، القوة الذهنية. تجربة اللعب أمام جماهير كبيرة وفي مباريات قوية تساعد اللاعب على التطور بسرعة.

رابعاً، القدرة على الاندماج. وجود جاليات مغربية كبيرة في أوروبا ساعد تاريخياً على انتقال اللاعبين والتكيف مع البيئات الجديدة.

لكن العامل الأهم هو أن الأندية الأوروبية أصبحت ترى في المغرب سوقاً حقيقياً للمواهب، وليس مجرد مصدر لصفقات فردية.

التحدي: الحفاظ على المواهب

رغم النجاحات، هناك تحديات.

أهمها الحفاظ على اللاعبين حتى يحصلوا على التطور المناسب.

فالانتقال إلى أوروبا في سن مبكرة لا يعني بالضرورة النجاح، وقد يجد اللاعب نفسه في فريق لا يمنحه دقائق كافية.

لذلك تحتاج الأندية المغربية إلى تطوير استراتيجيات أكثر احترافية في متابعة اللاعبين بعد انتقالهم، بينما تحتاج الأندية الأوروبية إلى التعامل مع المواهب المغربية باعتبارها مشاريع رياضية طويلة الأمد.

كما يجب أن يستمر الاستثمار في التكوين المحلي حتى لا يصبح الدوري المغربي مجرد محطة لبيع اللاعبين، بل بطولة قادرة على الاحتفاظ بجزء من أفضل مواهبها.

مونديال 2030 فرصة تاريخية

يمتلك المغرب فرصة استثنائية لبناء واحدة من أقوى المنظومات الكروية في القارة.

فالمغرب سيشارك إلى جانب إسبانيا والبرتغال في استضافة كأس العالم 2030، وقد أكدت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن تنظيم البطولة يمثل ورشاً استراتيجياً يحتاج إلى تعبئة واستعداد شامل.

وهذا الحدث يمكن أن يسرّع تطوير الملاعب ومراكز التدريب والبنية التحتية، كما يمكن أن يرفع قيمة الدوري المغربي تجارياً وسياحياً وإعلامياً.

والأهم أنه يمنح الجيل الجديد من اللاعبين هدفاً واضحاً.

المستقبل لا يعتمد على لاعب واحد

الدرس الأهم من التجربة المغربية هو أن النجاح لا يجب أن يرتبط بنجم واحد.

فبعد جيل حكيم زياش وأشرف حكيمي وياسين بونو، ظهر جيل جديد يضم إبراهيم دياز وعز الدين أوناحي وعبد الصمد الزلزولي وغيرهم، إلى جانب مجموعة من اللاعبين الشباب.

والقوة الحقيقية تكمن في استمرار عملية الإنتاج.

إذا نجح المغرب في إنتاج جيل جديد كل عدة سنوات، فسيصبح المنتخب قادراً على المنافسة المستمرة، وليس فقط تحقيق إنجاز استثنائي كل فترة.